حسن الأمين
224
مستدركات أعيان الشيعة
القبض وسلمه إلى الشاه منصور فأمر هذا بان تسمل عيناه . أما منصور فطمح ، مغترا بانتصاراته ، إلى أن يجرب حظه مع تيمور . ولكن هذا الطموح مني بالفشل ، فزحف الفاتح العظيم على أبواب شيراز وبعد مقاومة يائسة سقط منصور ، فأعلن من بقي من بني المظفر ولاءهم لتيمور ، ولكن اعترافهم المتأخر بالواقع المحتم لم يمهلهم الا أسبوعا واحدا لكي يفنوا عن بكرة أبيهم . وكان ذلك في آذار ( مارس ) سنة 1393 . وانتهى بانتهائهم مجد شيراز المظفرية . كان حافظ قد بلغ الستين حين مات الشاه شجاع ، فاضطر في هذه السن المتقدمة إلى أن يبحث عن أمير آخر يلجا اليه . وكان من طبيعة الحال أن يجد ضالته في ابنه زين العابدين ، فمدحه في عدة قصائد ، منها - كما يظن قاسم غني - « أغنية شيراز » المشهورة . ولهذا الظن مكان جدير بالاهتمام ، حتى ولو قادنا إلى الاعتبار ان المقصود من « التركي الشيرازي » هو الملك الفتى نفسه ، لا « الفتاة الجميلة » كما ورد في التفسير الرومنطيقي الذي جاء به السيروليم جونز . وهكذا يكون زين العابدين قد رفض عرض حافظ بان يلتحق بخدمته بصفة شاعر ومستشار خاص . ولكن رفض زين العابدين هذا لم يقنع حافظا بان يذعن له : فإذا وبختني أو عنفتني فإنني أدعو الله قائلا : أيليق الكلام المرير بالشفاه الحلوة الحمراء ؟ ! فيا حبيبي استمع لنصيحتي فان الشبان السعداء يحبون أكثر من أنفسهم نصيحة « الشيخ » العارف . وما ذا كانت نصيحة الشاعر ؟ وتحدث عن الطرب والخمر ، وأقل البحث ، في اسرار الدهر . فان أحدا لم يحل ، بالحكمة هذا اللغز المعمى ، ولن يكشف عنه أحد . وبالاختصار فقد كانت فلسفة حافظ الخاصة اللاعقلانية العلاج الوحيد لجميع الأمراض والمشكلات . وهذه الفلسفة تقول بالاستسلام إلى مسرات الحياة الممتعة فيتخلص المرء بذلك من أوقاته العصيبة ، أي على حد ما يعبر عنه أستاذه روزبهان : هي محبة الجمال العابر الذي هو ظل جمال الله الخالد وهو ظل ظاهر للعيان قريب المنال . ويظهر أن زين العابدين لم يكن بحاجة إلى أغاني حافظ ونصائحه فحول الشاعر أنظاره إلى الشاه يحيى ليدل هذا على أنه تجارة أشد ربحا . ولكن ما أن طرد الشاه منصور الشاه يحيى من مملكته المقلقلة حتى هرع حافظ إلى تقديم الولاء لهذا المنتصر الأخير ، فنظم فيه كثيرا من خيرة أشعاره وأنضجها . وكان حافظ في تلك الأثناء يقضي أيامه الأخيرة . انه لمن المؤسف حقا أن نرى شاعر الملوك يعيش في مثل هذه الأوقات المضطربة ، فتدعوه الحاجة إلى الطواف ببضاعته من باب بلاط متهدم إلى آخر . وقد بقي على قيد الحياة حتى شهد مقدم تيمور بأهواله ، فلا عجب إذن إذا تاوه في هذه الأبيات عند رؤيته التتار ينصبون خيامهم عند أسوار شيراز : يعتزم الدهر فتنة مرة ثانية . فها أنا والسكر وفتنة عين الحبيب انني لأعجب من دوران الفلك ولا اعلم من ذا الذي سيوريه التراب وإذ يوقد شيخ المجوس النار لا اعلم شعلة من يضيء ويعلي ان خدعة الحياة قصة واضحة والليلة حبلى لا أحد يدري من ستلد في السحر في ساحة القيامة هذه ، أريقت الدماء فاسكب أنت في الكأس دماء الدن ! وفي الأيام الأخيرة من عمره ، هذا إذا كنا نثق بما رواه أحد المؤرخين بعد موت الشاعر بما يقارب الثلاثين عاما ، قابل حافظ تيمور لنك الذي تعرف إلى شعره وعفا عنه لما أبداه من سرعة خاطر عرفت عنه : « فعند ما قدمت بيارق سلطان العالمين ، حامي ديار العالم ، الأمير تيمور غورخان ، وفي أيام أفول دولة السلطان زين العابدين ، صدر الأمان على أهالي شيراز . وكان الشاعر حافظ في جملة سكان المدينة ، يمتلك بيتا في حي من أحيائها ، ولذلك فقد ورد اسمه في قائمة الذين عليهم أن يدفعوا الفداء ووصلت التعليمات إلى الجابي بان يقبض منه مبلغا من المال . فشكا الشاعر حاله إلى الأمير المذكور معلنا بأنه مفلس معدم . فقال له الأمير : أأنت قائل هذه الأبيات : لو أن ذلك التركي الشيرازي يأخذ قلوبنا بإشارة واحدة من يده . فاني من أجل خاله الأسود أهبه « سمرقند » و « بخارى » . ان من يستطيع أن يهب بخارى وسمرقند من أجل خال واحد لا يمكن أن يكون مفلسا ، فأجاب حافظ ، انه بسبب هذا الإسراف أصبحت مفلسا ، فأعجب جلالته بهذا الجواب السريع وأعفاه مما كان متوجبا عليه . تختلف روايات المؤرخين الفرس بعض الشيء حول السنة التي مات فيها حافظ ، وأقربها إلى الحقيقة هي انه توفي سنة 1389 وهو في الرابعة والستين أو الخامسة والستين . وقد دفن في المصلى الذي كان في يوم من الأيام تلك الحديقة من الورد التي شهرتها قصائده . أما أول من بنى مشهدا على ضريحه فكان الفاتح المغولي بابر ، باقتراح من أستاذه محمد معمائي . وكان ذلك سنة 1452 . وفي سنة 1772 خصص مؤسس الأسرة الزندية كريم خان مبلغا عظيما من المال لتكبير المشهد ، فوضعت بلاطة من الرخام فوق القبر ، وبقيت هذه البلاطة على حالتها تلك ، مع شيء من الترميم إلى أن شاهدها أ . غ . براون ووصفها بقوله : « يقع قبر حافظ في وسط حديقة مغلقة ، زرعت بطريقة جميلة بأشجار السرو والبرتقال . أما القبر فتدل عليه بلاطة من الحجر بسيطة ، بيضاوية الشكل حفرت عليها نقوش هي في معظمها مختارات من شعر حافظ » . ثم ذكر براون تلك المقطوعات وأضاف قائلا : « ان ما يتمتع به حافظ من شهرة لا تعادلها شهرة ، يتجلى بهذا العدد الكبير من القبور التي تحيط بضريحه . فأي فارسي لا يرغب حقا أن تختلط بقاياه ببقايا هذا الشاعر المجيد ، الذي لو وجد في هذا العصر لعمل التعصب كل ما بوسعه ليحرمه حتى حق مراسم الدفن » ؟ ! غير أن العالم الإنجليزي لم يخطر بباله ان بعد ما يقارب الاثنتي عشرة سنة من زيارته لضريح حافظ انتهكت حرمة الضريح وحطمت البلاطة التي أقامها كريم خان ، وذلك أثناء انفجار آخر من التعصب حدث بقيادة أحد المتصوفين . ولكن ، عندما كان على عرش بلاد فارس رضا شاه بهلوي ، وكان علي أصغر حكمت وزيرا للمعارف ، كفرا عن هذا العمل الشائن تكفيرا مشرفا فشيد ضريحا جديدا ، يفوق بفخامته المشهد القديم . وما ذا اختير من قصائد حافظ ليزين بها الضريح ، غير تلك التي يتنبا بها عن موته وعن خلوده . اين بشرى وصالك . . . ؟ حتى أهب من رقادي للقائك فانا « طائر القدس » قد أفلت من شباك الدنيا على ندائك . . ! ! وبحبي لك . . . لو أنك دعوتني الخادم الوفي الأمين لصحوت وأنا سيد الأكوان على دعائك . . . ! ! فيا رب . . . ! أدركني بغيب من سحب الهداية قبلما أهب بغتة من التراب محروما من آلائك . . . ! !